أرسلت إلينا هانا سؤالا هذا الأسبوع، وهو من تلك الرسائل التي كلما تأملت فيها أكثر ظهرت لك فيها طبقات أكثر. هي مسافرة إلى الولايات المتحدة مع توقف في دبي، رحلة على طيران الإمارات ورحلة على فلاي دبي، ولاحظت شيئا من مواقع الشركتين الإلكترونية فقط. حتى التجربة الأساسية تبدو أكثر أناقة وأكثر حفاوة مما اعتادته من الشركات الأمريكية أو إل عال. وهذه الملاحظة دفعتها إلى الغوص في الموضوع. تريد أن تعرف ما هي الثقافة الإماراتية حقا، تحت ناطحات السحاب والعلامات التجارية الفاخرة. كيف هو الطعام، وكيف يلبس الناس، وهل هي شبيهة بثقافة البدو في إسرائيل أم شيء مختلف تماما. ثم السؤال العملي جدا: هل يمكن أن تخرج بأي إحساس بالثقافة المحلية الحقيقية من داخل مطار دبي الدولي، أم أنه كله سوق حرة ومطاعم عامة بلا هوية؟ وإن لم يكن ذلك ممكنا، فماذا ينبغي أن ترى في رحلة قادمة لتفهم المكان فعلا؟
هذا سؤال رائع لأنها اكتشفت بالفعل اللغز المحوري. تبدو دبي وكأن لجنة من مستشاري العلامات التجارية الفاخرة صممتها، ومع ذلك تحتها بلد حقيقي وثقافة حقيقية لا يتجاوز عمرها كدولة نحو خمسة وخمسين عاما. تأسست دولة الإمارات سنة ألف وتسعمئة وواحد وسبعين. إنها أصغر مني سنا.
معظم سترك الصوفية أقدم من دولة الإمارات.
هذا... على الأرجح صحيح فعلا. لكن هاك الرقم الذي يفسر تقريبا كل شيء. المواطنون الإماراتيون يشكلون نحو إحدى عشرة بالمئة من السكان. أما الباقون، وهم تسعة وثمانون بالمئة، فمغتربون. فحين تهبط في دبي ويكون الموظف الذي يفحص جواز سفرك فلبينيا، وسائق سيارة الأجرة باكستانيا، وطاقم الفندق من كل بلد، والمحليون الوحيدون الذين تراهم يقفون في مكان بعيد في الخلفية، فهذا ليس صدفة. الثقافة المرئية متعددة الجنسيات لأن القوى العاملة كذلك. أما الثقافة الإماراتية الحقيقية فتتركز في البيوت، وفي أحياء معينة، وفي المؤسسات الحكومية، وفي مشاريع حفظ التراث المقصودة.
إذن فشعور من يهبط في دبي بأنه في مكان عالمي بلا هوية هو الطبقة السطحية المقصودة. الطابع المحلي ليس غائبا، لكنه ليس في المكان الذي يصادفه فيه مسافر العبور بشكل طبيعي.
وحدس هانا بشأن شركتي الطيران هو المفتاح الذي يفتح هذا الباب. طيران الإمارات وفلاي دبي كلاهما ملك للدولة. ليستا مجرد شركتي نقل، بل هما أداتان للعلامة الوطنية. القهوة العربية التي تقدم لك عند الصعود، والتمرة التي ترافقها، والضيافة التي تكاد تكون ملحة، ليس ذلك اختيارا عشوائيا من الشركة. بل هو قرار من الإمارات بأن يكون لقاؤك المادي الأول بالثقافة الإماراتية على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم، وأن تشعر كأنك مستقبل في بيت أحدهم.
هذا هو الجزء الذي وضح لي حين قرأت رسالتها. لاحظت الفرق في الخدمة وقالت في نفسها: لا بد أن المكان هكذا. وهي محقة، لكن ليس بالطريقة التي يفترضها معظم الناس. ليس المقصود أن كل إماراتي يسكن في شقة علوية مذهبة. بل المقصود أن الضيافة نفسها قيمة وطنية أساسية، وأن شركة الطيران هي أكفأ وسيلة إيصال عندهم.
لنتحدث عن فلاي دبي للحظة، لأنها لم تكن متأكدة من العلاقة بينهما. نعم، فلاي دبي شركة اقتصادية تابعة لطيران الإمارات، لكن الاقتصادية بالمعنى الإماراتي ليست كالاقتصادية بالمعنى الأمريكي. هي ناقلة منخفضة التكاليف، لكنها مع ذلك مملوكة للدولة، وتشترك مع طيران الإمارات في رحلات كثيرة برمز مشترك، ولا تزال تعمل بفلسفة خدمة كانت ستحرج معظم شركات الطيران الأمريكية كاملة الخدمات. الأمر أشبه بأن... تخيل لو أن ساوث وست أنجبت طفلا مع تقليد الضيافة في الشرق الأوسط.
ساوث وست مع التمر والقهوة العربية.
ساوث وست مع التمر والقهوة العربية، ومعها تكليف ثقافي حقيقي.
فلننزل إلى ما تحت السطح. سألت هانا مباشرة عن الثقافة الإماراتية التقليدية، وصاغت سؤالها هكذا: هل هي ثقافة بدوية رفيعة المستوى، أم شيء مختلف تماما؟ ما الجواب؟
الجواب أن وصف «رفيعة المستوى» غير دقيق. هي ثقافة بدوية جرى تقنينها وتحويلها إلى مؤسسات لتصبح هوية وطنية. وثمة نصف ثان من الحكاية يفوت معظم الغرباء تماما، وهو الجانب البحري. قبل النفط، لم يكن اقتصاد الإمارات قائما على الترحال في الصحراء. كان قائما على الغوص بحثا عن اللؤلؤ وعلى التجارة البحرية. صورة البدوي في الصحراء ليست إلا نصف القصة، وبصدق هي النصف الأجمل تصويرا في الحملات السياحية.
اقتصاد الغوص على اللؤلؤ. لم أكن أعرف ذلك.
معظم الناس لا يعرفون. كانت المجتمعات الساحلية في ما يعرف الآن بالإمارات من أهم منتجي اللؤلؤ في العالم لقرون. كانت بلدات بأكملها تكاد تخلو من سكانها في موسم الغوص، فيعيش الرجال على السفن شهورا متواصلة، يغوصون بلا معدات، ويحبسون أنفاسهم دقائق متتالية. كان عملا قاسيا وخطيرا، وكان الأساس الاقتصادي للمنطقة إلى أن ابتكر اليابانيون اللؤلؤ المستزرع في عشرينيات القرن العشرين، فدمروا السوق بين ليلة وضحاها.
ثم جاء النفط بعد بضعة عقود وأعاد كتابة القصة كلها.
صحيح. فحين تأسست الإمارات سنة ألف وتسعمئة وواحد وسبعين، كان أمام جيل التأسيس خيار في ما يحفظونه وكيف يقدمون أنفسهم. فاختاروا بناء هوية وطنية حول القيم البدوية، من ضيافة وشعر وصقارة وسباق الهجن، لكنهم حفظوا أيضا التراث البحري. ومتحف زايد الوطني، الذي يفتتح هذا العام، ينظم التراث الإماراتي حول أربعة أعمدة: الإبل، واللؤلؤ، والسلاح، والشعر. وهذه ليست قائمة عشوائية. إنها بيان مقصود عما تعده الثقافة أسسها.
الإبل واللؤلؤ والسلاح والشعر. هذا معرض متحفي أود فعلا أن أراه.
إنه مصمم بإتقان حقا. وعمود الشعر على وجه الخصوص شيء يميل الغربيون إلى التقليل من شأنه. فللإمارات عناصر مدرجة في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، منها العازي، وهو شكل من شعر الحرب، والرزفة، وهي فن أدائي يجمع بين الشعر والموسيقى والحركة المتزامنة. وهذه ليست قطعا متحفية، بل تقاليد حية تؤدى في الأعراس والمناسبات الوطنية. وسباق الهجن مدرج في اليونسكو أيضا، وهو ضخم. ويعتمد السباق الحديث الآن على فرسان آليين، وهذا حديث آخر بكل ما فيه.
فرسان من الروبوتات.
روبوتات صغيرة تدار عن بعد، تجلس على ظهر الجمل وتستجيب لأوامر المالك الذي يسير بمحاذاة الجمل في سيارة. حلت محل الأطفال الفرسان قبل نحو عشرين عاما، وصار ذلك مزيجا مذهلا بين تقليد عريق وهندسة حديثة. وترتدي الروبوتات قمصان الفرسان الملونة الصغيرة وكل شيء.
المستقبل دائما أغرب من الماضي. إذن للثقافة جذور عميقة في التقاليد البدوية والبحرية، لكنها أيضا صيغت عمدا في قصة وطنية. ماذا عن الطعام؟ سألت هانا تحديدا عن الطعام، وأعرف أنك كنت تقرأ عن هذا.
المطبخ الإماراتي متكيف مع الصحراء في جوهره، لكن طرق التجارة شكلته على مدى قرون. الطبق الأشهر هو المجبوس، وهو أرز متبل مع اللحم، غالبا لحم ضأن أو دجاج، يطبخ بخليط من التوابل يعكس تجارة المحيط الهندي. هيل وقرفة وليمون مجفف، وزعفران إن أردت الفخامة. وهو قريب من البرياني ومن الكبسة السعودية، لكن له شخصيته الخاصة. ثم هناك اللقيمات، وهي كرات عجين حلوة يسكب عليها دبس التمر. هي في الأساس الحلوى الوطنية. مقرمشة من الخارج، طرية من الداخل، مشبعة بالدبس.
أنا أصغي باهتمام.
التمر وحليب الناقة محوريان في ثقافة الطعام بدرجة يصعب المبالغة فيها. التمر ليس مجرد وجبة خفيفة، بل هو طقس من طقوس الضيافة. تقدم التمر والقهوة العربية لكل ضيف يدخل بيتك. وهذا أول ما يحدث. وتصب القهوة من الدلة، وهي ذلك الإبريق المميز ذو المصب الطويل، في فناجين صغيرة بلا مقابض، وهناك آداب كاملة في عدد الفناجين التي تقبلها وفي كيفية الإشارة إلى أنك اكتفيت.
كيف تشير إلى أنك اكتفيت؟
تهز الفنجان. هزة خفيفة من جانب إلى آخر. أما إن أعدته دون أن تهزه، فسيظلون يملؤونه لك إلى ما لا نهاية. إنها من تلك الشفرات الثقافية التي تخفى تماما على الغرباء، ومع ذلك تحكم كل تفاعل اجتماعي.
إذن، سؤال هانا عما إذا كان الأمر يشبه ثقافة البدو في إسرائيل. هي تلتقط جذرا مشتركا حقيقيا. فالبدو في النقب والبدو الذين صاروا إماراتيين ينحدرون من تقليد ثقافي واسع واحد. لكن الفرق أن ثقافة البدو في إسرائيل ثقافة فرعية حية داخل دولة أكبر. أما في الإمارات فقد رفع التراث البدوي إلى مرتبة الهوية الوطنية نفسها، فصار مقننا، ومحفوظا كما في المتاحف، ويدرس في المدارس. إنه ليس ثقافة فرعية، بل هو الثقافة الرسمية.
وهذا يخلق توترا مثيرا للاهتمام حقا عند الشباب الإماراتي. فأنت تنشأ في واحدة من أكثر مدن الأرض عولمة، وحسابك على إنستغرام يشبه حساب أي شخص آخر، ومع ذلك ينتظر منك أن تجسد القيم التقليدية، وأن تحفظ الشعر، وأن تفهم شفرات الضيافة. وتستخدم صحيفة خليج تايمز عبارة لهذا الإطار: مئة وثمانون جنسية، بلد واحد. والفكرة أن الإمارات مفترق طرق ثقافي لا بوتقة صهر. لا أحد مطلوب منه أن يذوب في الثقافة الإماراتية، لكن الثقافة الإماراتية نفسها يفترض أن تبقى متميزة ومحمية في القلب.
مفترق طرق لا بوتقة صهر. هذا اختيار مقصود. فأغلب البلدان التي تتحول إلى مراكز هجرة إما أن تذوب وإما أن تتشظى. والإمارات تحاول ألا تفعل هذا ولا ذاك.
والآلية التي تقوم عليها، بصراحة، هي مسألة نسبة أحد عشر بالمئة. فحين تكون أقلية صغيرة في بلدك، فإما أن تختفي وإما أن تصير شديد الحرص على الحفاظ على هويتك. والإمارات اختارت الحفاظ المقصود.
لنتحدث عن اللباس، لأن هانا ذكرت الرجال الذين يلبسون كالأمراء في الصحراء وفي معاصمهم ساعات غالية. هذا شيء حقيقي تلاحظه، لكن فيه أكثر من ذلك.
الكندورة، وهي الثوب الأبيض للرجال، والعباءة، وهي العباءة السوداء للنساء، ليستا أزياء تنكرية. إنهما لباسان صمما ليلائما المناخ، وقد سبقا اختراع التكييف بقرون. الكندورة فضفاضة، وهي بيضاء لتعكس الحرارة، وتصنع تيار حمل يبرد الجسم. إنها هندسة عملية. وكونها أنيقة ومميزة في الوقت نفسه هو مزية إضافية، زادها التفصيل العصري وجودة الأقمشة. أما الساعات الغالية فطبقة معاصرة مضافة. فالكندورة ليس فيها جيوب بالمعنى الغربي، ولذلك تصبح الإكسسوارات مهمة: الساعات، وأزرار الأكمام، والنظارات الشمسية، والهاتف الذي تحمله في يدك. إنها لغة مكانة حديثة فوق أساس تقليدي.
وعباءة النساء؟ هل المبدأ نفسه؟
المبدأ نفسه، لكن مع تنوع أكبر في الممارسة المعاصرة. فالعباءة سوداء في الأصل، لكن المصممين العصريين في الخليج حولوها إلى فئة من فئات الأزياء. سترين عباءات مطرزة، وبحواف ملونة، وبقصات وأقمشة مختلفة. وهي مع ذلك لباس محتشم، لكن لغة كاملة من التصميم تتشكل ضمن هذه الحدود.
إذن، الصورة التي كونتها هانا من التغطية الإخبارية، سيارات سريعة، وناطحات سحاب مبالغ فيها، ورجال بأثواب بيضاء وساعات غالية، ليست زائفة. إنها فقط أكثر طبقات الصورة ظهورا في لوحة أشد تعقيدا بكثير. والسؤال هو هل يمكن الوصول إلى شيء من الصورة الأعمق أثناء توقف قصير في مطار دبي الدولي.
دعوني أجب عن سؤال المطار مباشرة، لأنه الجزء الأكثر عملية في رسالتها. مطار دبي الدولي، ورمزه دي إكس بي، شبه مدول بالكامل. فيه أسواق حرة، وماركات فاخرة، ومطاعم سريعة يمكن أن تكون في أي مطار كبير في أي مكان. فالطابع المحلي فيه ضئيل. لكنه ليس معدوما. هناك باعة تمر وقهوة عربية في المبنى، وهم يستحقون أن تبحثوا عنهم. لا لأن تمرهم أفضل ما ذقتم في حياتكم، بل لأنه المكان الوحيد الذي يتذكر فيه المطار أنه في بلد بعينه.
إذن نتجاوز محل سينابون العادي ونبحث عن بائع التمر.
والأمر الآخر الذي ينبغي الانتباه إليه هو تصميم الخدمة على متن الرحلة نفسها. القهوة العربية والتمرة اللتان تقدمان بعد الصعود بقليل ليستا وجبة خفيفة. إنهما منتج ثقافي مصدر. فطريقة تعامل طاقم المضيفين مع الركاب، والكوريغرافيا الكاملة للخدمة، كلها مصممة لتنقل شيئا عن قيم الضيافة الإماراتية. انتبهوا إليها بوصفها قطعة ثقافية، لا مجرد وجبة على الطائرة.
هذا تأطير جديد مفيد. فأغلب الناس يرون خدمة الطيران إما جيدة أو سيئة، لطيفة أو مزعجة. لكن حدس هانا في قراءتها إشارة ثقافية حدس صائب.
وأما صالات الدرجة الأولى ودرجة الأعمال في طيران الإمارات، التي قد تتمكن هانا من دخولها بحسب تذكرتها، فهي أكثر تعمدا للطابع الثقافي. فالتصميم يستلهم العمارة التقليدية، والطعام يضم أطباقا إماراتية، والبيئة كلها منسقة لتقول: «أنت في الخليج» لا: «أنت في علبة رفاهية عامة». هي في النهاية علبة رفاهية، لكنها علبة لها عنوان محدد.
إذن جواب المطار هو: لا في الغالب، لكن الاستثناءات حقيقية، والرحلة نفسها جزء من الجواب. فماذا عن رحلة قادمة؟ إذا عادت هانا ودانيال إلى دبي زيارة حقيقية، فماذا ينبغي أن يفعلا ليفهما المكان؟
حي الفهيدي التاريخي هو أفضل نقطة دخول وحيدة. إنه دبي القديمة، على الخور، وهو من الأماكن القليلة التي لا تزال فيها مدينة ما قبل النفط ظاهرة. أزقة ضيقة، وعمارة البراجيل، وأفنية داخلية. يمكن السير فيه على الأقدام، وهو هادئ، ويضم مركز الشيخ محمد للتفاهم الثقافي، الذي يقدم وجبات في بيت تقليدي تجلسون فيه على الأرض، وتأكلون طعاما إماراتيا، وتسألون عما شئتم. والغاية كلها من المركز هي ردم الفجوة بين الزوار وأهل البلد.
نجلس على الأرض، ونأكل المجبوس، ونسأل. هذا يبدو رائعا.
إنه عكس تجربة مركز دبي التجاري. وبعد ذلك هناك ركوب العبرة عبر خور دبي. العبرة قارب خشبي تقليدي، وبدرهم واحد، أي نحو سبعة وعشرين سنتا، تعبرون الخور مع العمال والتجار الذين يقومون بهذا العبور منذ عقود. إنها ليست معلما سياحيا، بل وسيلة نقل عام تعمل فعلا، وتعطيكم منظرا للمدينة لا تعطيه ناطحات السحاب.
درهم واحد. هذه أرخص تجربة ثقافية في الخليج.
ربما. أما سوق الجمال فهو أبعد، لكنه يستحق الرحلة إن أردتم أن تروا شيئا يحدث منذ قرون ولا يزال سوقا عاملا لا مجرد مشهد معاد تمثيله. وأما متحف زايد الوطني، حين يفتح بالكامل، فسيكون النسخة المؤسسية من كل ما تحدثنا عنه. أربعة أعمدة: الجمال، واللؤلؤ، والسلاح، والشعر.
أريد أن أعود إلى شيء قلته سابقا عن اقتصاد الغوص على اللؤلؤ. لأنه يغير نظرتي إلى المكان كله. فصورة ناطحات السحاب والتسوق تجعل دبي تبدو كأنها استحضرت من العدم بأموال النفط. لكن إن كان هناك اقتصاد بحري حقيقي قبل النفط، له ثقافته وإيقاعاته، فإن المدينة المعاصرة ليست مجرد وهم. إنها تحول لشيء كان موجودا أصلا.
كان لمجتمعات الغوص على اللؤلؤ موسيقاها وشعرها وبناها الاجتماعية الخاصة. والأغاني التي كان الغواصون يغنونها على القوارب، النهمة، هي لون كامل من الفولكلور الموسيقي الإماراتي، يحفظ ويدرس الآن. وتجار اللؤلؤ هم الذين بنوا أول الأحياء الحضرية. وكان الخور ميناء عاملا قبل أن يصير موضعا للصور السياحية بزمن طويل. فالاستمرارية حقيقية، لكنها لا تظهر إلا لمن يعرف أين يبحث عنها.
هٰذا هو ما يدور حوله سؤال هانا مرارا. هي تعرف أن هناك شيئا تحت السطح، لٰكنها لا تعرف ما هو ولا أين تبحث. الطعام، والزي، والشعر، والغوص للآلئ، وطقوس الضيافة، ليس فيها شيء مخفي بالضبط. هي فقط ليست حيث تقع نظرة السائح بطبيعة الحال.
لأن نظرة السائح موجهة إلى برج خليفة ودبي مول ونخلة جميرا. وهٰذه حقيقية ومبهرة، لٰكنها ليست الثقافة. إنها ديكور المسرح. الثقافة في البيوت، وفي المجلس، وهو غرفة الجلوس التقليدية التي يستقبل فيها الضيوف، وفي مسابقات الشعر التي ما زالت تجذب جماهير غفيرة، وفي سباقات الجمال بفرسانها الروبوتات، وفي أن يعرض عليك غريب القهوة قبل أن يسألك عن اسمك.
المجلس. اشرح لنا ذٰلك.
المجلس غرفة استقبال، تكون عادة منفصلة عن باقي البيت، وكثيرا ما يكون لها مدخل خاص. فيه يجتمع الرجال للحديث، وتنجز الأعمال، وتفض الخلافات، ويرحب بالضيوف. إنه البنية الاجتماعية التحتية للحياة الإماراتية. يختلف المكان المادي، وسائد على الأرض، سجاد، والدلة، إبريق القهوة، حاضرة دائما، لٰكن الوظيفة واحدة في كل مكان. فيه تعيد الثقافة إنتاج نفسها عبر الحديث.
حين تصمم طيران الإمارات مقصورة الدرجة الأولى لتشبه قاعة استقبال خاصة، بالإضاءة الدافئة والألواح الخشبية وخدمة القهوة، فهي لا تصنع الفخامة فحسب. إنها تصنع المجلس.
إنها تصنع المجلس على نطاق واسع. ومعظم المسافرين يرونه مجرد خدمة لطيفة، ولا بأس بذٰلك، لٰكن لغة التصميم لها مرجع ثقافي محدد.
سألت هانا أيضا عن الفرق بين المعاصر والتقليدي. قالت إنهما قد لا يكونان الشيء نفسه، وهي محقة. فما هي الثقافة الإماراتية المعاصرة التي يعيشها شاب في دبي فعلا؟
هٰذا هو الجزء الأصعب على الغرباء أن يروه، لأن الشباب الإماراتيين يخوضون مفاوضة حقيقية حول الهوية. هم أقلية صغيرة في مدينة عالمية فائقة الانفتاح. نشؤوا مع الإنترنت. وكثير منهم درسوا في الخارج. هم على مواقع التواصل، ويستهلكون الثقافة العالمية، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة. لٰكنهم مطلوب منهم أيضا الحفاظ على القيم التقليدية، والزواج داخل الجماعة، وصون شرف العائلة، ومعرفة الشعر. ليس هٰذا تناقضا بالضبط، لٰكنه توتر.
توتر ينتج فنا مثيرا للاهتمام على الأرجح.
هناك مشهد فني إماراتي معاصر آخذ في النمو، مخرجون وروائيون وموسيقيون يعملون داخل هٰذا التوتر. ولوفر أبوظبي والمنطقة الثقافية في جزيرة السعديات جزء من استثمار الحكومة في ترسيخ مكانة الإمارات منتجة للثقافة لا مستهلكة لها فحسب. أما هل سينجح ذٰلك على المدى البعيد، وهل سينتج شيئا متميزا أم مجرد فن أكثر تدويلا بلهجة محلية، فلا أظن أن أحدا يعرف بعد.
هٰذا هو السؤال المفتوح، أليس كذٰلك؟ أمضت الإمارات خمسين عاما تبني هوية وطنية من التراث البدوي والبحري، وهي الآن تحاول أن تعرف ما الذي يأتي بعد ذٰلك. افتتاح متحف زايد الوطني هٰذا العام جزء من ذٰلك، والمنطقة الثقافية جزء من ذٰلك، لٰكن النتيجة لم تحسم بعد.
التوتر بين الحفاظ على التراث والعولمة حقيقي. فكلما ازداد نجاح دبي مدينة عالمية، ازداد صعوبة الحفاظ على ثقافة محلية متميزة. نسبة أحد عشر بالمئة لا يمكن أن تصير أصغر. والمجلس لا يستطيع منافسة إنستغرام. أو ربما يستطيع. ربما ينجح التأسيس المؤسسي المقصود للثقافة باعتباره استراتيجية حفظ. لا أعرف الجواب عن ذٰلك.
ولا أنا، لٰكنه السؤال الصحيح لنختم به. دعني أجمع الخلاصات العملية، لأن هانا سألت عن أشياء محددة وينبغي أن نجيبها.
تفضل.
بالنسبة للتوقف العابر: تجاوزوا متاجر السوق الحرة العامة، وابحثوا عن باعة التمر والقهوة العربية في المطار. إنهم موجودون، وهم المكان الوحيد الذي يتذكر فيه المطار أنه في بلد بعينه. وأثناء الرحلة، انتبهوا إلى تصميم الخدمة بوصفه قطعة ثقافية. القهوة والتمر بعد الصعود إلى الطائرة، وكل هٰذه الرقصة المنسقة للضيافة، هٰذه هي الإمارات تعرض قيمها على ارتفاع شاهق. ليست مجرد وجبة طيران، بل تصدير ثقافي مقصود.
أما لرحلة مقبلة، فقدموا الفهيدي على المراكز التجارية. يقدم مركز الشيخ محمد للتفاهم الحضاري وجبات في بيت تقليدي تجلسون فيه على الأرض، وتأكلون المجبوس واللقيمات، وتسألون عما تشاؤون. والعبرة عبر خور دبي تكلف درهما واحدا، وتعطيكم منظرا للمدينة لا يعطيه برج خليفة. ومتحف زايد الوطني، حين يفتح، هو النسخة المؤسسية من كل ما ناقشناه. وإن أردتم رؤية شيء يحدث منذ قرون، فسوق الجمال ما زال سوقا عاملا، لا إعادة تمثيل.
النموذج الذهني الذي ينبغي أن تحملوه هو هٰذا. الإمارات لا تخفي ثقافتها. كل ما في الأمر أن الثقافة ليست حيث ينظر السياح. إنها في الطعام، والشعر، وتاريخ الغوص للآلئ، وطقوس الضيافة، والمجلس. ناطحات السحاب حقيقية، والفخامة حقيقية، لٰكنها المسرح، لا المسرحية.
الذي أصابت فيه هانا من البداية، بمجرد النظر إلى موقع شركة طيران، هو أن الضيافة هنا ليست استراتيجية تسويق. إنها هوية. قررت الإمارات قبل خمسة وخمسين عاما أن تعرف باستقبال الغرباء، وقد التزمت بذٰلك بإصرار شديد. وشركة الطيران ليست إلا أكثر وسائل التوصيل ظهورا.
سؤال واحد يبقى معي. مع افتتاح متحف زايد الوطني وتوسع المنطقة الثقافية، هل سيصير الطابع المحلي أوضح للزائرين، أم سيظل التدويل مسيطرا على السطح؟ الإمارات تراهن على الظهور، لٰكن الحساب السكاني لا يرحم. أحد عشر بالمئة.
الحساب السكاني لا يرحم، لٰكن الالتزام المؤسسي حقيقي أيضا. قبل خمسين عاما لم تكن هناك إمارات، ولا هوية وطنية، ولا متاحف، ولا قوائم لليونسكو. بنوا كل ذٰلك من الصفر. ولن أراهن ضدهم في بناء المرحلة التالية أيضا.
شكرا لمنتجنا هيلبرت فلومنغتوب. كانت هٰذه حلقة من ماي ويرد برومبتس. إن أعجبتكم الحلقة، فاتركوا لنا تقييما في أي مكان تستمعون منه، فهٰذا يساعدنا. سنعود قريبا.
إلى اللقاء حينها.